عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
149
اللباب في علوم الكتاب
كون الذّات الواحدة متحرّكة ساكنة معا ؛ لأنّ أقصى ما في الباب أنّه بسبب السّكون بقي هاهنا وبسبب الحركة حصل في الحيّز الآخر ، إلا أنّا لمّا جوّزنا أن تحصل الذّات الواحدة دفعة واحدة في حيّزين معا ، لم يبعد أن تكون الذّات السّاكنة هي غير الذّات المتحرّكة ، فثبت أنّه لو جاز أن يقال : إنّه تعالى ذاته واحدة ، لا تقبل القسمة ، ثمّ مع ذلك يمتلئ العرش منه لم يبعد أن يقال : إنّ العرش في نفسه جوهر فرد جزء لا يتجزّأ ، ومع ذلك فقد حصل في كلّ تلك الأحياز ، وحصل منه كل العرش ، وذلك يفضي إلى فتح باب الجهالات « 1 » . ومنها قوله تعالى : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ [ الحاقة : 17 ] فلو كان إله العالم في العرش لكان حامل العرش حاملا للإله ؛ فوجب أن يكون الإله محمولا حاملا ومحفوظا حافظا ، وذلك لا يقوله عاقل « 2 » . ومنها قوله تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ [ محمد : 38 ] حكم بكونه غنيّا على الإطلاق ، وذلك يوجب كونه تعالى غنيّا عن المكان والجهة « 3 » . ومنها أنّ فرعون لمّا طلب حقيقة الإله من موسى - عليه السلام - ولم يزد موسى عليه السلام على ذكر صفة الخلاقية ثلاث مرّات فإنه قال : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ففي المرة الأولى قال رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [ الشعراء : 24 ] . وفي المرّة الثّانية قال : رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [ الشعراء : 26 ] . وفي المرة الثالثة قال : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشعراء : 28 ] . وكلّ ذلك إشارة إلى الخلاقية ، وأمّا فرعون فإنّه قال : يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى [ غافر : 36 ، 37 ] فطلب الإله في السّماء ، فعلمنا أنّ وصف الإله بالخلاقية ، وعدم وصفه بالمكان والجهة دين موسى وجميع الأنبياء ووصفه تعالى بكونه في السّماء دين فرعون ، وإخوانه من الكفرة . ومنها قوله تعالى في هذه الآية : إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ . وكلمة « ثم » للتراخي وهذا يدلّ على أنّه تعالى إنّما استوى على العرش بعد تخليق السماوات والأرض ، فإن كان المراد من الاستواء الاستقرار ؛ لزم أن يقال : إنّه ما كان مستقرا على العرش ، بل كان معوجا مضطربا ، ثم استوى عليه بعد ذلك ، وذلك يوجب وصفه بصفات سائر الأجسام من الاضطراب والحركة تارة ، والسّكون أخرى ، وذلك لا يقوله عاقل « 4 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 93 . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 93 . ( 3 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 93 . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 93 .